
في ظل تسارع إيقاع الحياة الجامعية بين المحاضرات، والضغوط الأكاديمية، والمشاريع، والتسليمات، برزت عادات غذائية جديدة فرضت نفسها على تفاصيل يوم الطالب الجامعي. فبعد أن كان إعداد الوجبات المنزلية جزءاً من الروتين اليومي، أصبح الاعتماد على الوجبات السريعة خياراً أسهل وأسرع وأكثر حضوراً، مما أحدث تغيراً واضحاً في نمط التغذية المتوازن لدى شريحة واسعة من الشباب.
ومن منطلق الوعي بأهمية الصحة النفسية والجسدية، يطرح هذا الاستطلاع سؤالاً جوهرياً: إلى أي مدى تحوّل استهلاك الوجبات السريعة من خيار ظرفي إلى هوس يومي يصعب التخلي عنه؟ وما الأسباب النفسية والاجتماعية التي تعمّق هذا السلوك؟
في هذا الاستطلاع، نقترب من آراء عدد من طلبة وطالبات جامعة قطر، لرصد الأثر الحقيقي لهذا الهوس على أرض الواقع، واستكشاف العوامل التي تعزز هذا السلوك أو تعيق التحول إلى بدائل صحية، بعيداً عن بريق الإعلانات وسهولة تطبيقات التوصيل.
الوجبات السريعة… ملاذ دراسي مؤقت
ترى موزة النعمة، طالبة الإعلام، أن الوجبات السريعة أصبحت بمثابة “حل سحري” في أيام الامتحانات والمشاريع، حين لا يتسع الوقت لتحضير الطعام الصحي. وتوضح أنها تتناول هذا النوع من الطعام بمعدل 4 إلى 5 مرات أسبوعياً، خاصة في ساعات الليل المتأخرة أثناء المذاكرة.
ورغم سهولة هذا الخيار، تؤكد موزة أنها تشعر بعد تناوله بالخمول وثقل التركيز، لكنها تجد نفسها عاجزة عن التخلي عنه بسبب ضغط الدراسة. وتقول:
«البديل الصحي يحتاج وقتاً وتجهيزاً، وهما ما لا أملكهما خلال الأسبوع.»
وترى أن من المهم أن توفر الجامعة خيارات صحية وسريعة داخل الحرم الجامعي بأسعار منافسة.
تطبيقات التوصيل… بوابة الإدمان السهل
أما هدى عبدالرحمن، طالبة الإعلام، فتربط بداية تعلقها بالوجبات السريعة بانتشار تطبيقات التوصيل التي جعلت الحصول على الطعام أسرع من أي وقت مضى. وتقول إنها تنفق أسبوعياً ما يقارب 150 ريالاً على هذه الوجبات، وتشعر أحياناً بالذنب تجاه هذا السلوك، لدرجة أنها تخفي عن عائلتها عدد مرات تناولها لها.
وتلاحظ هــدى أن هذا النمط الغذائي أثر سلباً على وزنها وجودة نومها، خصوصاً عندما تتناول الطعام بعد منتصف الليل. وتؤمن بأن الحل لا يقتصر على التوعية العامة فقط، بل يجب أن يركز على مخاطر الهوس الغذائي نفسه، وتقترح إطلاق «تحدي 30 يوماً بلا وجبات سريعة» ضمن أنشطة الجامعة.
التخطيط المسبق… مفتاح التحرر من العادة
وعلى النقيض من ذلك، تؤكد لولوة العماري، طالبة الإعلام، أنها نجحت في تقليل استهلاكها للوجبات السريعة إلى مرة واحدة أسبوعياً بعد أن كانت تعتمد عليها بشكل يومي تقريباً. وترجع هذا التغيير إلى اعتمادها على أسلوب إعداد الوجبات الصحية مسبقاً في بداية الأسبوع.
وتوضح أنها تلجأ إلى بدائل بسيطة مثل الشوفان، والسلطات، والأرز مع الدجاج، وترى أن الضغوط الأكاديمية كانت في كثير من الأحيان عذراً أكثر منها سبباً حقيقياً. وتوجه نصيحة مباشرة لزميلاتها بضرورة التخطيط المسبق وعدم الاستسلام لإغراء الإعلانات، كما تطالب الجامعة بتخصيص مطابخ صغيرة في السكن الجامعي لتشجيع الطبخ الصحي.
البيئة الاجتماعية… ضغط غير مباشر
من جانبه، يصف بدر صالح، طالب الإعلام، نفسه بأنه “أسير الوجبات السريعة”، لا بسبب الجوع وحده، بل بسبب البيئة الاجتماعية المحيطة به، إذ يفضل معظم أصدقائه تناول الطعام من المطاعم السريعة.
ويقول بدر إنه يشتهي الوجبات السريعة بشكل أكبر عندما يشعر بالتوتر أو الملل، ويعتقد أن الإعلانات المنتشرة على إنستغرام وسناب شات تزيد من هذا التعلق. ويضيف:
«أشعر بالراحة أثناء الأكل، لكن بعدها ينتابني الندم.»
ورغم محاولاته المتكررة لتقليل الاستهلاك، فإنه غالباً ما يعود إلى العادة بعد أيام قليلة. ويقترح أن تنظم الجامعة نوادي طهي صحي تكون بديلاً ممتعاً وجذاباً للطلبة.
الوعي الصحي وحده لا يكفي
أما محمد حانوتي، طالب في كلية العلوم الصحية، فيبدو أكثر وعياً بالمخاطر الصحية المرتبطة بالوجبات السريعة بحكم تخصصه. ويؤكد أن هذا النوع من الطعام يؤثر مباشرة على تركيزه الدراسي، ومستوى طاقته، وجودة نومه، إلا أنه يجد نفسه مضطراً أحياناً لتناوله بسبب ضيق الوقت بين المحاضرات والتدريب العملي.
ويشير إلى أنه ينفق أسبوعياً نحو 50 ريالاً على الوجبات السريعة، ويرى أن الحل الحقيقي يكمن في توفير بديل صحي يساويها في السعر والسرعة. كما ينتقد غياب الخيارات الصحية الجاذبة في كافتيريا الجامعة، ويطالب بتوفير آلات بيع ذكية تحتوي على وجبات خفيفة صحية.
ويكشف هذا الاستطلاع أن الوجبات السريعة لم تعد مجرد خيار عابر لدى بعض طلبة الجامعات، بل تحولت لدى كثير منهم إلى سلوك متكرر يرتبط بالضغط، والراحة النفسية المؤقتة، وسهولة الوصول. وبين من يراها حلاً عملياً، ومن يحاول الفكاك من تأثيرها، تبقى الحقيقة الأبرز أن الهوس بالوجبات السريعة ليس قضية ذوق فقط، بل قضية صحة ونمط حياة.
وفي بيئة جامعية يفترض أن تدعم النمو الفكري والجسدي معاً، يصبح من الضروري أن تواكب المؤسسات التعليمية هذا الواقع، لا بالتحذير فقط، بل بتوفير بدائل عملية تجعل الاختيار الصحي ممكناً، لا مثالياً بعيد المنال.