الزراعة الذكية في قطر: هل تنجح التكنولوجيا في حل تحديات الأمن الغذائي؟

د. أحمد القضاة لعافيتك: “نظام الزراعة الذكية بدأ الآن وله مستقبل كبير”

آمنة الشمري لعافيتك: “ما يميز الزراعة الوطنية هو شعورنا بالأمان”

دلال محمد لعافيتك: ” الاستثمار في الغذاء العضوي المحلي استدامة وأمان “

شهدت دولة قطر تطوراً ملحوظاً في مجال التكنولوجيا الزراعية حيث برزت كواحدة من أهم الركائز الاستراتيجية الوطنية التي تتجاوز مفهوم الإنتاج التقليدي إلى السيادة الغذائية، وفي ظل بيئة تتسم بتحديات مناخية صعبة، أصبحت التكنولوجيا مختبراً حقيقياً يحول رمال الصحراء إلى واحات خضراء مستدامة، تحقق قفزات نوعية في وضع القطاع الزراعي على خارطة القطاعات الأكثر نمواً في الدولة.

حيث بدأ هذا العمل من خلال إدارة دقيقة للمساحات المتاحة، فوفقاً للبيانات الصادرة عن إدارة الشؤون الزراعية في وزارة البلدية حول استخدام الأراضي الزراعية بين عامي 2019-2021 شهدنا توسعاً في زراعة الحبوب، إذ ارتفعت من 153 هكتارا في عام 2019 لتصل إلى 394 بحلول 2021 ، وهذه المساحة شكلت الانطلاقة للتوسع في رفع كفاءة الإنتاج النوعي.

وفي بدايات عام 2022 سجلت إحصائيات المجلس الوطني للتخطيط تحولاً نحو تنويع المنتجات الزراعية، فقد بلغ الرقم القياسي الكمي 214 نقطة، وهو مؤشر يقيس مستوى الإنتاج نسبةً إلى سنة مرجعية تُحدد ب100 نقطة؛ فارتفاعه إلى 214 نقطة يدل على أن الإنتاج الزراعي تجاوز ضعفي مستواه في تلك السنة المرجعية، وهو العام الذي شهد فيه تكثيف الأنظمة المتحكمة بالمناخ وبالإنتاج لمواجهة عوائق الصيف الشديد.

ويعتبر عام 2023 الأكثر ازدهاراً في مسيرة الإنتاج الزراعي القطري، إذ تجلت نتائج الاستثمار في قطاع التكنولوجيا الزراعية بأرقام غير مسبوقة رصدتها الإحصاءات السنوية  الصادرة عن المجلس الوطني للتخطيط، وتبين من خلالها ظهور زيادة ملحوظة في مؤشر النمو حيث قفز الرقم القياسي لإنتاج الخضروات ليصل 249 نقطة، من خلال البيوت المحمية التي أصبحت الركيزة الأساسية بإنتاج 46668 طناً من الخضروات على مساحات متفرقة تساوي 715 هكتاراً، وتم تسجيل إنتاج الخيار ب 15645 طناً مقابل 15760 طناً من الطماطم.

كما قادت 1068 مزرعة هذا التغيير حيث تم إنتاج ما يقارب 61 ألف طن من المحاصيل والتي غطت مساحة 2391 هكتاراً علاوة على ارتفاع عدد أشجار النخيل في المزارع المسجلة إلى 683461 نخلة، والتي أنتجت تموراً وبلحاً بما يزيد عن 37324 طناً، وذلك بناءً على إحصاءات صادرة عن المجلس الوطني للتخطيط لعام 2023.

ومع بداية عامنا الحالي 2026 وتزامناً مع السعي نحو الاستقلال الغذائي الكامل، تواصل وزارة البلدية جهودها في تنفيذ مشاريع تهدف إلى إنتاج البذور محلياً، فاستخدام تقنيات مثل: الزراعة بدون تربة، يساهم في التقليل من استهلاك المياه بنسبة تزيد عن 90%.

حل مستدام

وفي إطار الدور الذي تضطلع به الجهات البحثية والأكاديمية مثل جامعة قطر، التقينا بالدكتور أحمد محمد القضاة الأستاذ المساعد في قسم العلوم البيولوجية والبيئية، والمتخصص في علم النبات، والذي استعرض الأساليب البحثية لمواجهة التحديات المناخية عبر بوابة التقنيات الحديثة، مؤكداً أن الجهود الأكاديمية والمراكز البحثية في الدولة تضع الزراعة الذكية في صدارة أولوياتها بتجاوز عقبات التربة والمناخ.

‏وعن تفاصيل الأبحاث أوضح الدكتور القضاة، أن هناك الكثير من المشاريع التي تم نشرها حول التربة، ومن ضمنها استخدام ما يعرف بـ”الفحم الحيوي” وهو من مخلفات الأشجار وتحويلها إلى مواد تعمل على تحسين خصائص التربة في قطر، إضافة إلى استخدام أنواع جديدة من الأسمدة الدقيقة تعرف باسم ” الأسمدة النانوية” التي تسهل من عملية استفادة النباتات والمحاصيل منها.

وأشاد الدكتور “القضاة” بالقفزة النوعية في استخدام الحساسات الذكية داخل البيوت الزجاجية، والتي تتيح نظام ري أوتوماتيكي بالكامل، يستجيب لمتغيرات الجو بشكل مباشر، وشدد على أن إدراج مفاهيم الزراعة الذكية في المشاريع القطرية هو الرد الحاسم على التغير المناخي، خاصة فيما يتعلق بالتحكم الدقيق في مستويات الرطوبة والحرارة لضمان بيئة مثالية للنمو.

‏ وثمن الدكتور القضاة مستوى الشراكة العالية بين جامعة قطر والباحثين والأكاديميين والمؤسسات الأخرى مثل مؤسسة قطر للبحث العلمي والمزارع الوطنية، مفصلاً أسباب تأجيل تطبيق بعض المشاريع مثل إنتاج الأسمدة الدقيقة محلياً، مبيناً أنها لا تعكس تجاهلا بقدر ما هي حاجة لعمليات إنتاج ضخمة وفترات زمنية للتطبيق الميداني الواسع، كما نوه إلى الدور الجوهري لمؤسسة قطر للبحث العلمي في اشتراط وجود شريك محلي من أصحاب المزارع في المشاريع المطروحة مما يضمن نقل المعرفة من المختبر إلى الميدان مباشرة.

‏وأكد الدكتور القضاة أن الزراعة الذكية بما تشمله من أنظمة الزراعة المائية أو الزراعة بمياه الأسماك باتت واقعاً ملموساً في قطر، وتتطور باستمرار بدخول الذكاء الاصطناعي، واستعرض إمكانية إدارة المزارع عبر منصة متكاملة تشرف على كافة العمليات بدءا من الري وحتى الحصاد، وقال “إن هذا التوجه يعد في بداياته وله مستقبل كبير، ويمثل حلاً مستداماً كونه يقلص الاعتماد على العمالة البشرية، ويوفر المياه والأسمدة بكفاءة عالية، ويضمن غزارة الإنتاج”

‏ وأشار في نهاية حديثه إلى مفهوم الزراعة الاقتصادية الدائرية التي تعتمد على إعادة تدوير المخلفات الزراعية وتحويلها إلى أسمدة عضوية يعاد ضخها في التربة، مؤكداً على أن هذا التكامل الموجود بين العلم والتكنولوجيا هو ما سيصنع الفارق في مستقبل الأمن الغذائي القطري.

 ثقة مطلقة

 وفي لقائنا بالسيدة آمنة الشمري إحدى المترددات على محلات المنتجات الزراعية، فقد أكدت أن التقنيات الحديثة المستخدمة في المزارع المحلية زادت من مستوى الثقة والشفافية، وقالت: “إن ما يميز الزراعة الوطنية هو شعورنا بالأمان؛ إذ تتيح لنا بعض المزارع فرصة الزيارة والاطلاع على طرق القطف والتغليف، مما يجعلني اشتري وأنا مطمئنة تماماً للجودة”

وأشارت الشمري إلى أنها لا تضع الزراعة العضوية كشرط أساسي لمشترياتها، موضحة أنها غير مهتمة كثيراً بهذا التصنيف طالما أن المصدر محلي وموثوق.

 ومن جانبها أشادت دلال محمد إحدى المشاركات في الاستطلاع حول شراء المنتجات الزراعية بدور المحاصيل والزراعة الوطنية التي تعتمد على التقنيات الذكية لافتة أنها تفضل شراء المنتجات المحلية لأسباب كثيرة وفي مقدمتها الرغبة بدعم اقتصاد الدولة، والثقة بأن المحاصيل القطرية صحية وأكثر أمانا وخالية من الملوثات، بفضل الرقابة الصارمة والتكنولوجيا المستخدمة، وأضافت أنها غالباً ما تحرص على شراء منتجات الزراعة العضوية محليا حتى وإن كان سعرها أعلى مقارنة بغيرها للحفاظ على صحتها وصحة عائلتها، وقالت: “أرى أن الاستثمار في الغذاء العضوي المحلي هو الخيار الأمثل للاستدامة والأمان”.

 ‏ الجدير بالذكر أن دولة قطر بدأت مرحلة مفصلية في القطاع الزراعي مع إطلاق الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي عام 2018، والتي وضعت خارطة طريق واضحة للتحول نحو التكنولوجيا والزراعة الذكية لمواجهة التحديات البيئية والمناخية، وتواصل الدولة جهودها لتحقيق رؤية قطر الوطنية 2030 من خلال تقديم الدعم التقني للمزارع الوطنية لتحويلها إلى مزارع نموذجية تعتمد على أنظمة الري الحديثة والذكاء الاصطناعي، وتأتي هذه الخطوات المستمرة إلى تعزيز الاكتفاء الذاتي وبناء منظومة غذائية مستدامة تضمن الحفاظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة بما يتماشى مع طموحات الدولة في الريادة والابتكار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *