
لم تعد المنصات الرقمية مجرد مساحة للترفيه أو تبادل الآراء، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى مصدر يومي للمعلومة، وخصوصاً في القضايا الصحية التي تمس حياة الناس مباشرة وبين مقاطع قصيرة ونصائح سريعة وبثوث مباشرة وعناوين جذابة، ظهر ما يمكن تسميته بـ “أطباء المنصات“؛ وهم أولئك الذين يقدمون محتوى صحياً أو طبياً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في محاولة للجمع بين التوعية والوصول السريع إلى الجمهور.
هذه الظاهرة تحمل وجهين متناقضين؛ فمن جهة، فتحت باباً واسعاً لنشر الوعي الصحي بلغة مبسطة تصل إلى الناس في أي وقت ومكان، ومن جهة أخرى، وضعت المتلقي أمام سيل من المعلومات التي لا يمكن دائماً التحقق من دقتها، خاصة حين تتحول المنصة من منبر للعلم إلى ساحة للمنافسة على المشاهدات والإعجابات والشهرة.
المنصات الرقمية فرصة ذهبية للتوعية
لا يمكن إنكار أن مواقع التواصل الاجتماعي ساهمت في تقريب المعرفة الطبية من الناس، وجعلت الوصول إلى المعلومة أسهل من أي وقت مضى فبدلاً من انتظار موعد طبي أو البحث في مصادر معقدة، أصبح بإمكان الفرد أن يشاهد مقطعاً قصيراً يشرح له أعراضاً معينة، أو يعرّفه بعادة صحية مهمة، أو يلفت انتباهه إلى سلوك غذائي أو دوائي خاطئ.
وهنا يبرز الدور الإيجابي لبعض الأطباء والمتخصصين الذين نجحوا في استخدام هذه المنصات بوعي ومسؤولية، فقدموا محتوى علمياً مبسطاً، وربطوا بين المعرفة الطبية وحياة الناس اليومية، وساهموا في تصحيح كثير من المفاهيم الخاطئة المنتشرة في المجتمع هذه النماذج أثبتت أن الطب حين يخاطب الناس بلغتهم، يصبح أكثر قرباً وتأثيراً.
عندما تدخل الشهرة على خط المعلومة
غير أن المشكلة تبدأ عندما تتحول المنصة إلى غاية في حد ذاتها، ويصبح الظهور المستمر أهم من الدقة، والمحتوى الصادم أكثر جاذبية من الطرح المتزن ففي بيئة رقمية تكافئ السرعة والانتشار، قد يميل بعض صناع المحتوى الصحي إلى المبالغة في العناوين، أو تبسيط المعلومات بشكل مخل، أو طرح آراء شخصية على أنها حقائق علمية ثابتة.
ومع تزايد التنافس على عدد المتابعين، لم يعد بعض المحتوى الصحي يُبنى على السؤال: “ما الذي يحتاج الناس إلى معرفته؟“ بقدر ما يُبنى على سؤال آخر أكثر خطورة: “ما الذي سيجلب أكبر عدد من المشاهدات؟“ وهنا تنشأ الفجوة بين التوعية الصادقة وبين الاستعراض الذي يستخدم الطب بوصفه وسيلة لبناء حضور رقمي لافت.
بين الرأي العلمي والرأي الشخصي
من أكثر الإشكالات وضوحاً في هذا المشهد أن كثيراً من المتابعين لا يميزون بين الرأي المهني المبني على الأدلة والانطباع الشخصي الذي قد يقدمه صاحب الحساب بثقة عالية فالظهور بملابس مهنية أو التحدث بلغة واثقة لا يكفي وحده لإثبات صحة المحتوى، لأن الحقيقة العلمية لا تُقاس بقوة الإلقاء، بل بمدى اعتمادها على الأبحاث، والإجماع الطبي، والمصادر الموثوقة.
وقد تبدو بعض النصائح مقنعة لأنها بسيطة ومباشرة، لكنها قد تكون ناقصة أو عامة إلى درجة تجعل تطبيقها خطراً في بعض الحالات فليس كل ما يناسب شخصاً واحداً يصلح للجميع، وليس كل تجربة شخصية تصلح أن تتحول إلى توصية صحية عامة.
خطورة المعلومة السريعة
تكمن خطورة المحتوى الطبي في المنصات الرقمية في أن أثره لا يتوقف عند حدود المشاهدة فالمتلقي قد يبني عليه قرارات حقيقية تمس صحته، مثل استخدام دواء، أو إيقاف علاج، أو اتباع حمية قاسية، أو تجاهل أعراض تستوجب مراجعة الطبيب وهنا لا تعود المعلومة مجرد رأي عابر، بل تتحول إلى عنصر قد يغير مسار السلوك الصحي لدى الأفراد.
المشكلة أن صيغة المنصات نفسها تشجع على الاختزال، بينما الطب بطبيعته علم يحتاج إلى تفصيل وفهم للسياق والفروق الفردية وبين اختصار المنصة وتعقيد العلم، كثيراً ما تضيع الدقة في منتصف الطريق.
كيف يميز المتلقي بين التوعية الحقيقية والتضليل؟
في زمن الازدحام الرقمي، لم يعد كافياً أن يستمع الإنسان إلى المعلومة، بل أصبح عليه أن يتعلم كيف يفحصها فالمحتوى الصحي الموثوق غالباً ما يتسم بالهدوء، ويتجنب الأحكام المطلقة، ويعترف بوجود فروق بين الحالات، ولا يعد الناس بحلول سحرية أو نتائج مضمونة في وقت قياسي.
أما المحتوى الذي يثير القلق أو يبالغ في الوعود أو يطرح علاجاً شاملاً لمشكلات متعددة دفعة واحدة، فهو غالباً أقرب إلى التسويق أو الرأي الشخصي منه إلى العلم كما أن الطبيب الواعي لا يستبدل التشخيص الفردي بمقطع عام، ولا يجعل من المنصة بديلاً عن العيادة أو الفحص الطبي.
المسؤولية لا تقع على الطبيب وحده
رغم أهمية دور المختص في تقديم محتوى مسؤول، فإن جزءاً من المسؤولية يقع أيضاً على المتلقي الذي يتابع ويشارك ويعيد نشر ما يسمعه دون تحقق فالمجتمع الرقمي اليوم لا يستهلك المعلومات فقط، بل يساهم في توسيع انتشارها، سواء كانت دقيقة أم مضللة ومن هنا تصبح الثقافة الصحية والإعلامية معاً ضرورة، لأن حسن التلقي لا يقل أهمية عن حسن الإرسال
إن الوعي الحقيقي لا يعني رفض كل ما يُنشر في المنصات، كما لا يعني قبوله كله، بل يعني امتلاك القدرة على التمييز، والسؤال، والعودة إلى المصادر الموثوقة حين يتعلق الأمر بالصحة والحياة.
وسيظل حضور الأطباء في المنصات الرقمية ظاهرة مؤثرة ومتنامية، لأنها تستجيب لطبيعة العصر، وتلبي حاجة الناس إلى محتوى سريع ومباشر لكن نجاح هذه الظاهرة لا يقاس بعدد المتابعين وحده، بل بقدرتها على حماية الثقة بين العلم والجمهور فحين يلتزم الطبيب بأمانة المعرفة، تصبح المنصة جسراً للتوعية، وحين ينجرف وراء بريق الشهرة، قد تتحول إلى مساحة يختلط فيها العلم بالرأي، والتخصص بالاستعراض.