هل مدارسنا تخرج أجيال صحية؟

إعداد مريم اليافعي
في تمام الساعة 9 صباحاً، تبدأ حصة الرياضة في إحدى المدارس الابتدائية، وبالنسبة لأحد الطلاب هي مجرد فرصة للعب العشوائي بكرة القدم بعيداً عن رقابة المعلم، بينما توجد طالبة في مدرسة أخرى لا تحب حصة الرياضة وتعتبرها وقت مستقطع تقضي فيه جالسة على المقاعد بسبب زحام القاعة الرياضية بصفوف مدمجة.
خلف هذه المشاهد الميدانية المبعثرة، تختبئ الحقائق، فبينما تقر السياسات الرسمية 45 دقيقة كزمن للحصى، يكشف هذا التحقيق أن الطالب لا يحصل على نصفها فعلياً، في ظل عجز الكوادر المتخصصة يحول دون أي تطوير حقيقي ويحول المادة من بناء صحي إلى رصد الدرجات شكلياً.
متاهة الدقائق
تبدأ الفجوة الحقيقية من عقارب الساعة؛ فبينما حددت وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي وقت الحصة الفعلي ب45 دقيقة يكشف، الواقع الميداني عن هدر زمني منظم.
فبين جدران الملاعب، كانت شهادات الطلاب هي الدليل الأول على الفجوة، حيث رصد التحقيق في جولة ميدانية داخل المدارس، عن تباين أصوات الطلاب فتقول الطالبة عائشة محمد بصراحة الحصة ممتعة لكنها تفتقر للتنظيم في بعض الأحيان والأدوات الرياضية لا تكفينا جميعاً، خاصة عندما يتم دمج صفين أو أكثر في نفس الوقت، مما يتسبب بالفوضى.
كما يعبر الطالب حمد عن فرحه بالحصة لسبب واحد وهو اللعب بكرة القدم بحرية، بينما تظهر العنود عارف جانب آخر من الأزمة بقولها: أن الحصص أحياناً تفتقر للخطط؛ مما يدفع المعلمة لتركنا نلعب لعباً عشوائياً، للالتقاء بصديقاتنا، مطالبة بأن تكون الحصة ساعة كاملة بدلا من 45 دقيقة.
وفي المقابل يبرز صوت الطالب أحمد الذي يصف الحصة بغياب التجديد في التمارين، مما ولد لديه العزوف عن المشاركة، مطالباً بإدخال العاب تكسر روتين التكرار الممل.
وأقرت المعلمة إسراء إبراهيم معلمة التربية البدنية في مدرسة الخور الابتدائية، بأن ما يتبقى للحركة الفعلية يتراوح بين 25 إلى 30 دقيقة فقط، حيث تضيع الدقائق العشر الأولى في انتقال الطلاب من الصفوف إلى القاعة وتغيير ملابسهم، بينما تضيع الدقائق الأخيرة في إنهاء الحصة والعودة للفصول.
هذا الواقع تؤكده منسقة مادة التربية البدنية المعلمة انشراح خير في مدرسة الوكير الابتدائية للبنين، التي تضع النقاط على الحروف بقولها المؤقت محدد من الوزارة ولا نملك صلاحية التدخل فيه أو تمديده.
وتضيف خير عن هذه الأزمة، إن الحصة قد تكون كافية بمقدار 45 دقيقة إذا كان الهدف هو اللعب فقط ولكن حين نتعامل معها كمادة دراسية ذات منهج واختبارات وقياس مهارات فهي بالتأكيد غير كافية إطلاقاً.
وهذا التناقض يضع الميدان التربوي أمام معضلة، فكيف يمكن تنفيذ منهج أكاديمي في وقت زمني لا يتسع إلا لنشاط بدني عابر؟

العوائق أمام خطط التطوير
تشير البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي إلى وجود 148 موجهة يقابلها 81 موجه ما يعني أن الكادر النسائي يتحملن عبء الرقابة الأكبر.
وبالنظر إلى توزيع المعلمين، نجد أن التركيز مكثف في المرحلة الابتدائية 249 معلم بينما تعاني الروض من نقص حاد ولاسيما في حص الرياضة.

وتؤكد الموجهة سارة اليافعي أن هذا النقص هو السبب الحقيقي خلف استحالة زيادة عدد الحصص الأسبوعية؛ فالقوى البشرية الحالية بالكاد تغطي الجدول القائم.
كما أن طرق التوظيف الحالية لا تتماشى مع سرعة التوسع وتغطية عدد المدارس الحالية،، وهو في الوقت الذي طالبت فيه ولية الأمر شيخة علي بزيادة عدد الحصص أو عدد الدقائق..
الدرجات أولاً
هذه الإشكالية تجد صداها خلف أبواب المنازل، حيث تعبر ولية الأمر لطيفة عن قلقها العميق من تحول حصة الرياضة إلى مصدر للخطر بدلا من الصحة، وترى أن الحصة في شكلها الحالي قد تصبح سلبية إذا تسببت في إرهاق الطفل أو تعرضه لإصابات نتيجة الإهمال أو غياب الأشراف الدقيق خلال اللعب.
وتضيف أن غياب المنهج الواضح يجعلها تنظر للحصة أحياناً كوقت ضائع يقتطع من يوم الطالب الدراسي دون تحقيق فائدة بدنية ملموسة.
هذه المخاوف تشترك فيها لطيفة مع قطاع من الأهالي، إلا أن الأخصائية الاجتماعية سميرة عبدالله، تكشف عن نمط آخر مقلق في تعامل أولياء الامور مع المادة، حيث يغيب السؤال عن تطور لياقة الطفل أو اتقانه للمهارات البدنية ويحضر بقوة عند نزول الدرجات، والهدف بوضوح هو رفع المعدل الأكاديمي العام للشهادة.
هذا الهوس بدرجات يجد له مخرجاً في سياسة الاختبارات التي شرحتها المنسقة انشراح خير وقالت: يتم التركيز من الصف الأول إلى الثالث على مهارات الأساسية فقط، وفي الروضة لا توجد اختبارات رسمية، والأخضر هو اعترافها بأنه القياس يتم بنتاج التعلم أكثر من المهارة الفعلية.
ما يعني أن الطالب قد يمنح درجة كاملة لأنه شارك أو حظر وليس لأنه تطور بدنياً؛ وهو ما يفسر لماذا يحصل أطفال يعانون من خمول واضح على درجات امتياز في التربية البدنية، إلى جانب الوهم الذي يصبح لدى الأسرة بأن طفلهم رياضي بينما الواقع الطبي يقول غير ذلك.
كلفة العشوائية في العيادات الطبية
يحذر الأخصائي العلاج الطبيعي الدكتور محمد عياش من أن النشاط البدني غير الموجه قد يكون نقمة لا نعمة، فالجري والقفز بلا تصحيح حركي يؤدي إلى ضعف التوازن العضلي والتقوس في الظهر وانحناء الكتف.
وتؤكد الأخصائية هبة المحارمة أن الحصة التي تفتقر لتمارين جودة الحركة التي تقوي الجذع وتزيد من تناسق الجسم، تزيد من المضاعفات لدى الأطفال وخاصة الذين يعانون من مشكلة صحية ويلجأون للعلاج الطبيعي أو الذين يعانون من السمنة المفرطة
هذا العجز الطبي المدرسي يظهر بوضوح في ملاحظات الاخصائية الاجتماعية التي تحدثت عن الأعداد الكبيرة التي رصدتها من الطلاب المصابين بالسمنة، فعلى حد قولها أن هؤلاء الطلاب بدلا من ان يتم تخصيص لجنة ثلاثية لمتابعتهم تضم معلم المادة والاخصائي والأسرة، يتم إقحامهم في الزحام العام في حصة الرياضة؛ مما يعرضهم للتنمر أو الإصابة أو العزوف التام عن الحركة لعدم وجود كادر متخصص يتفرغ لحالاتهم.
الرقابة الصارمة في مواجهة فوضى الميدان
في مقابلة مع المعلمة شريفة القبيسي مديرة روضة البيان الأولى، أكدت أن الإدارة تضع إجراءات سلامة ورقابة صارمة تبدأ من دخول الطفل للمدرسة وحتى خروجه، ومع ذلك يواجه التحقيق هذا التصريح بحقيقة أن الرقابة الإدارية التي تضمن عدم خروج الطفل من الساحة تختلف تماماً عن الرقابة التخصصية التي تضمن جودة الحركة البدنية.
فكيف يمكن تحقيق رقابة جيدة في صالة رياضية تضم أحياناً صفوف مدمجة وبعدد كبير من الطلاب مع معلمتين أو معلمة واحدة؟
هنا يظهر التناقض بين الإدارة وواقع الميدان، حيث يظل أمان الطفل مكفول ولكن صحته البدنية تظل في منطقة الظل نتيجة نقص الكوادر الذي يمنع التقسيم الصحيح للطلاب.
حلول الاستثمار البدني المستدام
إن كشف هذا التحقيق يثبت أن الخلل ليس في نوايا المعلمين أو منهج الوزارة، وإنما في منظومة الإمكانيات، فنحن أمام دائرة مفرغة: الوزارة تحدد وقتاً ضيقاً، والإدارة تدمج بعض الصفوف لنقص الكوادر، والمعلم أو المعلمة يلجأون للعب الحر في غالبية وقت الحصة، لعدم قدرتهم على مراقبة الأعداد الكبيرة، والطالب يشعر بالملل أو يمارس نشاطاً عشوائياً، والأطباء يرصدون إصابات وسنة، والأسرة تسأل عن الدرجة فقط لرفع المعدل.
هذه الدائرة تضمن تخريج أطفال بشهادات متفوقة في الرياضة ،ولكن بأجساد تعاني من الخمول والضعف.
لا يمكن أن يظل النشاط البدني المدرسي رهينة نقص الكوادر أو ضيق الوقت، فلخروج من هذه المتاحة يجب فك الارتباط بين الحصة والمعدل، أي يتم تحويل الدرجات لتكون بناءً على اختبارات كفاءة بدنية حقيقية تقاس في بداية العام ونهايته وليس لمجرد نواتج تعلم نظرية لكسر اهتمام أولياء الامور بالدرجة فقط.
إلى جانب
تفعيل مقترح اللجنة الثلاثية الصحية الذي تحدثت عنه الاخصائية الاجتماعية وهو إقرار برنامج خاص لطلاب السمنة بحسب الحالة.
والسماح بتوظيف مدربين معتمدين من الاتحادات الرياضية بنظام العقود الجزئية؛ لسد النقص الحاد في مرحلة التعليم المبكر، وضمان وجود متخصص في كل حصة.
حصص التربية البدنية هي استثمار سيادي في صحة المجتمع، والاستمرار في قبول عجز الكوادر وضيق الوقت كأمر واقع، هو استثمار قد يكلفنا الكثير من صحة وحيوية الاطفال في المستقبل.
وهنا يبقى السؤال الأهم: هل سنستمر في هذا المسار أم حان الوقت لمنح الأجيال فرصة حقيقية لنمو بدني سليم؟