هل اليوم الرياضي ثقافة مستدامة أم احتفال ل24 ساعة؟

‏في ظل التطورات المتسارعة في المجتمع برزت تحديات جديدة تتعلق بجودة الحياة الصحية والصحة العامة، فبعد أن كان النشاط البدني ‏ركيزة أساسية من تفاصيل يومنا، فرضت الحياة المعاصرة والاعتماد على التقنيات الحديثة نوعا من الخمول الذي أحدث شرخا واضحا في منظومة التوازن البدني السليم للأفراد، ومن منطلق المحافظة على الصحة العامة حرصت دولة قطر على تحديد يوم للاحتفال بالرياضة وهو يوم الثلاثاء من ثاني أسبوع في شهر فبراير. وتقام فيه فعاليات متنوعة تعد من أبرز مظاهر التغيير المجتمعي، للتوعية والتحفيز أمام تراجع النشاط البدني في المجتمع القطري.

 إلا أن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه إلى أي مدى نجحت الاحتفالات والفعاليات المقامة سنويا في التحول من حدث استثنائي إلى ثقافة مجتمعية مستدامة ولا تنتهي بمجرد انتهاء اليوم؟ حيث تتضح الفجوة بين الاستمرارية الفعلية والحماس اللحظي من خلال التحدي الحقيقي الذي يواجه في اليوم، ولا سيما في ظل المغريات التكنولوجية التي تجعل من الراحة خيارا مناسبا وسريعا دائما، مما يضع الالتزام الغذائي والبدني على المحك.

وفي هذا الاستطلاع نلتقي بعدد م المتخصصين والجمهور لقراءة الأثر الحقيقي لليوم الرياضي على أرض الواقع، واستكشاف الآراء المختلفة حول هذا التحول والوقوف على العوامل التي تعزز أو تعيق من الاستمرار بأسلوب الحياة الصحي بعيدا عن بريق الفعاليات.

الصحة تبدأ من البيت:

‏‏

يرى الأستاذ فهد القرون، المدير التنفيذي لنادي كيو تراي الرياضي، أننا نعيش حاليا في مرحلة انتقالية حيث بدأنا نلمس تحول واضحا نحو تبني الرياضة كأسلوب حياة، والاهتمام بزيادة الوعي وليس كالسابق عندما كانت الرياضة مرتبطة بالمناسبات والفعاليات، إلا أنه أشار إلى أن الفجوة بين الإقبال الجماهيري الهائل في اليوم الرياضي واستمرار معدلات السمنة والأمراض المرتبطة بنمط الحياة يعد أمرا طبيعيا عندما يكون النشاط بصورة موسمية وليس كعادة يومية.

واعتبر “القرون” أن المجتمع مازال بحاجة إلى تعزيز هذا التحول داخل البيوت لأن الثقافة الحقيقية تبدأ من الأسرة وليس من الحدث، ومن هنا قدم رؤيته بنصيحة ذهبية تبدأ من البيت وتحديدا من المطبخ عبر جعل القرار الصحي قراراً عائلياً يومياً، فعندما تتغير مكونات الوجبة بتقليل السكريات والدهون فيها يصبح الجسم تلقائياًً أكثر استعداداً للحركة؛ لأن الرياضة تبدأ مما نأكله، وليس فقط من التمرين، مؤكدا على أن الصحة لا تبنى في يوم واحد في العام بل بتكرار مستمر؛ فالإشكالية ليست في غياب الرغبة بل في عدم الاستمرارية والتنظيم اليومي، إضافة إلى النمط المعيشي الذي يعتمد على تناول الوجبات السريعة وقلة الحركة.

وأوضح أن المطلوب فعليا هو الانتقال من فكرة الفعاليات إلى النظام ‏عبر إدخال ‏برامج رياضية أسبوعية تحفز الموظفين داخل المؤسسات، وربط الحوافز بالمكافآت للموظفين النشيطين، وتوفير بيئة داعمة لهم، كمسارات المشي، مع ضرورة إشراك القيادات في الممارسة؛ لأن القدوة تصنع فرقا كبيرا.

وأضاف “القرون” فيما يخص الجدل حول التكلفة العالية للغذاء الصحي والرياضة، صحيح أن بعض الخيارات تسوق بأسعار مرتفعة لكن في المقابل نقول حقيقةً أن الصحة لا تحتاج تكلفة عالية، فالمشي هو أفضل رياضة مجانية، والتمارين المنزلية تغني عن الاشتراك المكلف وأبسط الأطعمة الصحية كالرز والخضار والدجاج متوفرة بأسعار مناسبة، مؤكدا في ختام حديثه أن السر يكمن في اختيار أسلوب حياة يقوم على خطوات بسيطة كالتقليل من العادات الخاطئة والسلبية، والنوم الجيد، وتنظيم الوجبات، فكل هذه الأمور تصنع فرقا كبيرا على المدار البعيد.

الشغف يصنع الالتزام:

أما راما الفاهوم معلمة تربية خاصة، فقد أشارت إلى أن اليوم الرياضي يمثل استثماراً في الذات ومنفذاً للتحرر من ضغوط الروتين والتوتر عبر الحركة والنشاط، مؤكدةً على أنه يشكل فرصة مثالية للتواصل الاجتماعي بطريقة ممتعة وغير تقليدية. وأضافت أن لهذا اليوم دور بارز في تحفيز الأفراد على اكتشاف شغفهم برياضات معينة مع التحفظ على أن يوماً واحداً في السنة لا يكفي، ولا يعد ضمانا كافية لتحقيق الاستمرارية.

وفي سياق التجربة الشخصية كشفت “الفاهوم” عن التزامها بنمط منتظم لا يقل عن ثلاث مرات أسبوعياً، وأن سرها في الحفاظ على هذا الروتين يكمن في وضع أهداف محددة سواء أكانت صحية لرفع كفاءة أعضاء الجسم، أو أهدافا تتعلق بشكل الجسم بتقليل أو زيادة الوزن، مع التشديد على أهمية اختيار رياضات ممتعة والالتزام بمواعيد ثابتة بعيداً عن تقلبات المزاج.

ولفتت “الفاهوم” إلى دور العوائق السلبية التي تمثله البيئة والمطاعم المحيطة في كسر النظام الصحي، وذلك بسبب ارتفاع السعرات الحرارية في الوجبات، وأن الخيارات الصحية المتاحة في السوق تظل باهظة الثمن؛ مما يدفع الكثيرين اللجوء للوجبات السريعة كبديل أقل تكلفة وأكثر جاذبية من حيث الشكل والطعم، وهو ما يصعب من مهمة الاستمرار في حياة سليمة بعد انتهاء وهج الفعالية الرياضية.

في حين أشادت نور أحمد، موظفة في القطاع الحكومي، بمبادرة اليوم الرياضي بوصفها خطوة وطنية مهمة، مقدرة أن فاعليتها في تحفيز المجتمع تصل إلى 60%، في حين تظل النسبة الأخرى المتبقية تنظر إليه كمتنفس وراحة بعيدا عن الجو الرياضي، مؤكدة على أنها تحرص في هذا اليوم على الانخراط في النشاط الرياضي ولاسيما المشي منذ ساعات الصباح الباكر. وأضافت “أحمد” أنها الآن تعيش في وضع مختلف عن السابق، فبعد سنوات من الالتزام المتقطع الذي لم يكن يتجاوز الفترات القصيرة وبلا أهداف واضحة، نجحت قبل 3 أشهر في تبني الرياضة الحقيقية عبر الاشتراك في نادي متخصص، إذ وجدت في الأجواء الحماسية والنتائج الملموسة والقدوة الرياضية عبر منصات التواصل الاجتماعي دافعا قويا للاستمرار، مستفيدة من خوارزميات التكنولوجيا التي تضفي نوعا من المحتوى التحفيزي.

وترى أن غياب الأنشطة الرياضية على مدار العام خلال السنوات يجعلها تعود للروتين المعتاد، إلا أنها استطاعت كسر هذا العائق عبر مبادرة ذاتية والبحث المستمر عن الحياة الصحية دون انتظار أي تحفيز من الآخرين، وأضافت أن البيئة المنزلية والاجتماعية المعتمدة على العزائم والوجبات غير الصحية كانت تمثل تحديا كبيرا لاستمرارها في ممارسة الرياضة، ولكنها تجاوزت ذلك باكتشاف إمكانية تحويل كل ما تحبه من أغذية إلى وجبات صحية ذات قيمة غذائية عالية دون الشعور بالحرمان.

الوعي يسبق أي خطوة:

‏أما المهندس عمر الشمري، فلا يرى أهمية كبيرة لليوم الرياضي على المستوى الشخصي كونه يتبنى الرياضة كنمط منتظم بعيداً عن المناسبات، وأكد على أهمية هذا اليوم لتحفيز وتذكير غير الرياضيين في ضرورة الحركة، وقال إن الاستمرارية تكمن في فك الارتباط بين الممارسة الرياضية وبين الأحداث الموسمية، مؤكداً على أن العائق الأكبر الذي يواجه المجتمع هو ربط النشاط البدني بالمناسبة وليس بالهدف الشخصي المستدام.

ويذهب “الشمري” إلى وجود ‏تحسن ملحوظ في توفر الخيارات والمطاعم الصحية، إلا أنه شدد على ضرورة فرض رقابة صارمة على هذه المطاعم؛ لضمان دقة حساب السعرات الحرارية المقدمة ليكون الدعم حقيقيا ومبنيا على أسس صحيحة تخدم الباحثين عن نمط حياة صحي.

وأكدت سهى عيدودي، طالبة ماجستير في جامعة قطر، أن اليوم الرياضي يمثل مناسبة وطنية ملهمة تذكر المجتمع بقيمة النشاط البدني والاحتفاء بالصحة، معتبرة أنه قوة دفع معنوي لتحفيز المترددين على العودة لمضمار الرياضة. وأوضحت “عيدودي” أنها تبذل جهدا كبيرا للحفاظ على روتين صحي طوال العام، يشمل رياضة المشي وتنظيم الوجبات الغذائية بعيدا عن الوجبات السريعة، معتمدة في ذلك على استراتيجيات الأهداف البسيطة والالتزام بعادات يسهل الاستمرار عليها. وأضافت أنها تواجه تحديات في طبيعة حياتها الأكاديمية كطالبة في مجال البحث العلمي، والذي يحتم عليها قضاء جل وقتها داخل المختبرات؛ مما يجعل ضيق الوقت والإرهاق البدني بعد يوم عميق ضمن أهم هذه التحديات، إضافة إلى بعد المسافة بين الأندية الرياضية والمنزل، ولكنها تحاول تجاوز هذا التحدي من خلال المشي للحفاظ على الحد الأدنى من اللياقة. واختتمت “عيدودي” حديثها بنصيحة أن الوعي الذاتي والقوة والإرادة هما المحركان الأساسيان حيث يستطيع المؤمن بأهمية الصحة الموازنة بين الاستمتاع في اللحظة والالتزام بنظام حياة سليمة يدعمه على المدى الطويل.

بين الالتزام والواقع:

وتحدث الوليد بن خالد، موظف في القطاع الحكومي، عن اليوم الرياضي وأكد أنه يمثل منصة حيوية لتعزيز قيم الصحة والوقاية وقدرته على خلق زخم مجتمعي يدفع الأفراد للتحول من مجرد وعي نظري إلى سلوك فعلي، مشيراً إلى أن نتائج هذا اليوم واضح وملموس في تحفيز الناس على الالتزام، وأضاف أنه يحافظ على النشاط البدني طوال العام، حيث يمنحه اليوم الرياضي حافزاً ودافعاً إضافياً ضمن روتين متوازن يتماشى مع واقع حياته اليومية.

وفيما يتعلق بالتحديات، أوضح “الوليد” بأن ضغط ضيق الوقت وتداخل الالتزامات الشخصية يمثلان العائق الأكبر أمامه، مؤكدا أن الحل يكمن في بناء عادات مرنة تستمر على المدى الطويل، وتتكامل مع الظروف اليومية. وأضاف أنه يقيم البيئة المحيطة، ويلاحظ تحسنا كبيرا في المطاعم الصحية والوعي العام، ولكنه شدد على أن الاستمرارية في التطور تتطلب دعماً أكبر للوصول للتكامل؛ وهو ما يجعل اتباع النمط السليم خيارا أسهل وأكثر سلاسة للجميع.

‏وتعتبر  المعلمة سوسن محمد السليمان في تخصص الاحياء، أن اليوم الرياضي يتحول بالنسبة لها إلى يوم مفتوح للاستجمام والراحة؛ وذلك بسبب طبيعة المحيط الاجتماعي الذي يتعامل مع اليوم كإجازة رسمية واستغلاله بالراحة وليس للحركة، فضلا عن وجود عوائق عملية تتعلق بالفعاليات والأنشطة المخصصة للسيدات التي تمنعهن من الخصوصية اللازمة بممارسة الرياضة بحرية تامة. وأشارت “السليمان” إلى أن التزامها الرياضي خلال العام يتفوق على أدائها في هذا اليوم تحديدا، حيث تحافظ على روتين ثابت للذهاب إلى النادي أربعة أيام خلال الأسبوع، كما تمارس الهوايات مثل ركوب الخيل والدراجات عند تحسن الأجواء، مؤكدة على أن استمراريتها تتكلل بالمشاركة والتشجيع المتبادل بينها وبين أختها وصديقاتها.

وفي معرض تقييمها للبيئة العامة، ترى “السليمان” أن المحيط غير مشجع على الحياة الصحية خاصة مع تطور خيارات المطاعم وسهولة تطبيقات التوصيل التي تجعل من الالتزام معركة صعبة، مؤكدة أن الشخص قد ينحرف عن النمط السليم أحيانا، ولكن الأهم هو العودة دائما لتنظيم نمط غذائي والمحافظة على الحد الأدنى من الحركة، حتى وإن لم يصل إلى الالتزام للدرجة المثالية.

أما الدكتورة أمل الصادق، طبيبة وأخصائية تغذية علاجية، فترى أن الفجوة الحالية تعود لكون اليوم الرياضي يمثل دافعاً مؤقتاً يغلب عليه الطابع الاجتماعي والترفيهي أكثر من القناعة الصحية العميقة، مؤكدة على أن الاستمرارية تغيب لصالح عادات غذائية غير متوازنة في بقية أيام السنة. وفي حديثها ركزت “الصادق” على مبدأ “قليل متصل خير من كثير منقطع” حيث تكون بداية الانطلاقة في الحياة الصحية من بناء روتين يومي بسيط، وذلك عبر تقليل الأطعمة المصنعة وتنظيم الوجبات وربط ذلك بنشاط بدني لا يتجاوز ال 30 دقيقة. وأوضحت أن الانتقال الحقيقي يتطلب إدماج الصحة في البيئة الدراسية والعملية بتخصيص وقت للنشاط وتوفير خيارات صحية في المقصف مع ربط الأداء بالحافز. ووصفت “الصادق” المرحلة الحالية باعتبارها فترة انتقالية، مفندة فكرة الاعتقاد بارتفاع تكاليف الأكل الصحي، حيث ترى أن الخيارات الطبيعية كالبقوليات والخضروات الموسمية تظل خيارات اقتصادية مناسبة، وأن الاستمرارية تحتاج لخطوات عملية في التمارين والطبخ المنزلي التي تساهم في تقليل الهدر وتحقيق وعي مستدام.

بناءً على الآراء المتنوعة التي استعرضناها يتضح لنا أن اليوم الرياضي نجح في خلق زخم قوي لكنه ما يزال يقف عند عتبات التحدي الأكبر، وهو تحويل الحدث السنوي إلى نهج يومي مستمر، فبينما يراه البعض محطة لشحن الإرادة ومنفذ للترويح عن النفس، يعتبره آخرون أنه مجرد إجازة اجتماعية قد تكسر روتين الالتزام السنوي بدلا من تعزيزه.

إن المسافة بين الوعي والتطبيق لا تعكس الكسل بقدر ما تظهر الصراع مع ضغوط الحياة وضيق الوقت وغيرها من التحديات التي تواجهنا، ومع ذلك نلمس في الآراء المطروحة أنه هناك وعياً يتسلل داخل المجتمع يصنع فارقا صحيا، ويجعل من اليوم الرياضي نقطة الانطلاقة، فالاستمرار في المشوار هو قرار فردي بالدرجة الأولى قبل أن يكون توجها جمعيا يمارسه كل أفراد المجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *